د. محمد مصطفى محمود
عندما تأتي نتيجة أحد مؤشرات الأداء الرئيسة Key Performance Indicators دون مستهدفها، يكون رد الفعل الإداري المعتاد والسريع: ما الإجراء التصحيحي الذي يجب أن نتخذه؟
قد يكون هذا السؤال مناسبًا في بعض الحالات، لكن طرحه قبل فهم طبيعة الفجوة قد يقود إلى قرار غير مناسب. فالنتيجة غير المواتية لا تثبت تلقائيًا وقوع إخفاق تشغيلي قابل للتصحيح. فقد تعكس تباينًا طبيعيًا في أداء العملية، أو بيانات غير موثوقة، أو تصميمًا غير مناسب للمؤشر، أو مستهدفًا غير واقعي، أو حدثًا خارجيًا استثنائيًا، أو تأخر ظهور أثر أحد التدخلات الجاري تنفيذها.
تمثل فجوة الأداء Performance Gap الفرق بين مستوى الأداء المتوقع أو المستهدف والنتيجة الفعلية المسجلة. وهي إشارة إدارية مهمة، لكنها ليست تشخيصًا مكتملًا. فهي تكشف وجود اختلاف بين الأداء الفعلي والمتوقع، لكنها لا تفسر سبب هذا الاختلاف، ولا تحدد تلقائيًا الاستجابة التي ينبغي أن تتخذها الإدارة.
وتزداد أهمية هذا التمييز عند استخدام مصطلح الإجراء التصحيحي Corrective Action. ففي أدبيات إدارة الجودة، يُقصد بالإجراء التصحيحي العمل الذي يهدف إلى إزالة سبب حالة فعلية من عدم المطابقة Nonconformity ومنع تكرارها. ومن ثم، يكون هذا الإجراء مناسبًا عندما توجد مشكلة أداء حقيقية، ويمكن تحديد أسبابها، وتستطيع المؤسسة معالجتها بصورة معقولة.
لذا ينبغي أن يكون المبدأ الحاكم هو: من الضروري تفسير فجوة الأداء أولا قبل تحديد التدخل المناسب لمعالجتها.
فعلى الإدارة أن تحدد أولًا ما تمثله الفجوة في حقيقتها، ثم تختار استجابة تتناسب مع الأدلة المتاحة.
- مشكلة أداء حقيقية
قد تعكس فجوة الأداء إخفاقًا حقيقيًا في التنفيذ. ومن أمثلة ذلك:
- عدم الالتزام بإجراء معتمد.
- وجود اختناق في إحدى العمليات الحرجة.
- عدم كفاية معارف الموظفين أو قدراتهم.
- نقص الموارد المالية أو البشرية أو التقنية.
- تأخر القرارات أو الموافقات.
- ضعف التنسيق بين الإدارات.
- عدم تنفيذ إجراء تم الاتفاق عليه.
- تعطل أحد الضوابط المعتمدة.
- التنفيذ غير الصحيح لخطة سبق اعتمادها.
في هذه الحالات، لا تكون النتيجة مجرد تذبذب إحصائي أو مشكلة في القياس، بل يوجد عنصر داخل النظام التشغيلي لم يعمل على النحو المطلوب.
وعندما يكون السبب معروفًا، ومدعومًا بأدلة موثوقة، وواقعًا ضمن نطاق سيطرة المؤسسة، يكون الإجراء التصحيحي هو الاستجابة المناسبة في العادة. وينبغي تصميم التدخل بحيث يزيل السبب الذي تم التحقق منه أو يحد من تأثيره، ويقلل احتمالية تكرار المشكلة.
فإذا انخفض مؤشر الالتزام بمواعيد التسليم بسبب بقاء الطلبات عدة أيام في قائمة انتظار الموافقات، على سبيل المثال، فينبغي أن تعالج الاستجابة اختناق عملية الموافقة. وقد تتضمن المعالجة توضيح صلاحيات اتخاذ القرار، أو إعادة تصميم مسار العمل، أو تعديل حدود الصلاحيات، أو أتمتة الموافقات، أو زيادة الطاقة الاستيعابية في المرحلة الحرجة.
وهنا لا يتحدد الإجراء المناسب بناءً على اسم مؤشر الأداء، بل بناءً على السبب الحقيقي للفجوة.
وينبغي أن يحدد الإجراء التصحيحي بوضوح:
- السبب الذي تم التحقق منه.
- التدخل المختار لمعالجة هذا السبب.
- مسؤولًا واحدًا يخضع للمساءلة.
- الجهات والأفراد الداعمين.
- الصلاحيات والموارد المطلوبة.
- المراحل الرئيسة للتنفيذ وتواريخها.
- الأثر المتوقع في الأداء.
- المقاييس التي ستستخدم للتحقق من الفعالية.
- ترتيبات التصعيد عند تأخر التنفيذ.
يكون الإجراء التصحيحي مبررًا عندما تثبت المؤسسة وجود إخفاق قابل للتصحيح. لكنه لا ينبغي أن يمثل الاستجابة الافتراضية لكل رقم غير مواتٍ.
- التباين الطبيعي في أداء العملية
تتضمن جميع العمليات درجة من التباين الطبيعي للعملية Normal Process Variation. فمن النادر أن تظل أزمنة التسليم، وحجم الإنتاج، ومدد المعالجة، وطلب العملاء، ومعدلات الأخطاء، ونتائج الخدمات متطابقة من فترة إلى أخرى.
ولهذا، قد يكون الانحراف البسيط عن مستهدف مؤشر الأداء جزءًا من السلوك الطبيعي لعملية مستقرة، ولا يمثل بالضرورة ظهور مشكلة جديدة.
ويميز الضبط الإحصائي للعمليات Statistical Process Control بين نوعين رئيسين من التباين:
- التباين الناتج عن الأسباب العامة Common-Cause Variation، وهو التباين الملازم للتصميم الحالي للعملية وطريقة تشغيلها المعتادة.
- التباين الناتج عن الأسباب الخاصة Special-Cause Variation، وهو التباين الناتج عن حدث أو ظرف أو تغيير غير معتاد لا ينتمي إلى السلوك الطبيعي للعملية.
وتُحسب حدود الضبط الإحصائي Control Limits باستخدام البيانات التاريخية للعملية، وتساعد على تحديد النطاق المتوقع للتباين الناشئ عن الأسباب العامة. وقد تمثل النتيجة التي تقع خارج حدود الضبط دليلًا على وجود سبب خاص يؤثر في العملية.
وقد يؤدي التعامل مع كل تذبذب بسيط باعتباره مشكلة خاصة إلى تدخلات غير ضرورية. فقد يغير المديرون الإجراءات، أو يعيدون توزيع الموظفين، أو يضيفون ضوابط جديدة، أو يصدرون تعليمات متكررة استجابة لتحركات تمثل جزءًا من السلوك الطبيعي للعملية. وقد تزيد هذه التعديلات الارتباك وتجعل الأداء أقل استقرارًا.
وقبل المطالبة بإجراء تصحيحي، ينبغي دراسة:
- الأنماط التاريخية للأداء.
- حجم الانحراف واتجاهه.
- ما إذا كانت النتيجة منفردة أم متكررة.
- متوسط أداء العملية ودرجة تباينها.
- مستويات السماح المعتمدة.
- حدود الضبط الإحصائي حيثما كان استخدامها مناسبًا.
- الأنماط الموسمية أو الدورية.
- التغيرات في حجم العمل أو طبيعة الحالات أو ظروف التشغيل.
ومن المهم كذلك التمييز بين حدود الضبط ومستهدفات الأداء أو حدود المواصفات Specification Limits. فحدود الضبط تصف كيفية تصرف العملية حاليًا، بينما تحدد المستهدفات والمواصفات مستوى الأداء الذي تحتاج إليه المؤسسة.
وقد تكون العملية مستقرة إحصائيًا، لكنها تحقق باستمرار مستوى يقل عن المطلوب. وفي هذه الحالة، لا تحتاج المؤسسة بالضرورة إلى إجراء تصحيحي استجابة لنقطة بيانات واحدة، بل قد تحتاج إلى مبادرة أوسع لتحسين العملية، أو تغيير متوسط أدائها، أو تقليل التباين المتأصل فيها.
ومن ثم، قد يبرر التباين الطبيعي استمرار المتابعة، بينما قد يستدعي الأداء المستقر لكنه غير الكافي تحسين العملية أو إعادة تصميمها.
- حدث خارجي مؤقت
قد تنشأ فجوة الأداء عن حدث خارجي غير معتاد لم تتسبب فيه المؤسسة، ولم يكن في مقدورها السيطرة عليه بصورة كاملة. ومن أمثلة ذلك:
- الأحوال الجوية القاسية.
- القيود التنظيمية المؤقتة.
- تعطل أحد الموردين الرئيسين.
- اضطراب مؤقت في خدمات النقل.
- التغير المفاجئ في طلب السوق.
- أزمات الصحة العامة.
- تعطل شبكات الاتصالات أو التقنية على مستوى المنطقة.
- الانقطاع غير المتوقع للمرافق الأساسية.
ولا يعني وجود سبب خارجي أن تتجاهل الإدارة الفجوة، لكنه يغير طبيعة الأسئلة التي يتعين عليها طرحها.
وينبغي أن يقيّم التحقيق:
- ما الحدث الخارجي الذي وقع؟
- ما قوة الأدلة التي تربطه بفجوة الأداء؟
- ما حجم تأثيره ومدته؟
- ما احتمالية تكراره؟
- هل كان من الممكن توقعه بصورة معقولة؟
- هل كان مستوى تعرض المؤسسة له مقبولًا؟
- هل عملت ترتيبات الطوارئ القائمة بفعالية؟
- هل كان من الممكن تخفيف آثاره من خلال قدرة أكبر على الصمود؟
فإذا كان الحدث استثنائيًا بالفعل ومنخفض الاحتمال، فقد يكون استمرار المتابعة Continued Monitoring كافيًا بعد عودة العمليات إلى وضعها الطبيعي.
ومع ذلك، فإن وجود سبب خارجي لا يعفي الإدارة تلقائيًا من المسؤولية. فإذا كان من الممكن توقع حدوث اضطرابات مماثلة، فقد تتمثل الاستجابة طويلة الأجل في إجراء وقائي Preventive Action، أو تنويع الموردين، أو إضافة طاقة احتياطية، أو توفير بدائل تشغيلية، أو تطوير خطط استمرارية الأعمال Business Continuity Plans.
وقد لا تتطلب الفجوة الحالية إجراءً تصحيحيًا في العملية التشغيلية الأساسية، لكنها قد تكشف ضعفًا في قدرة المؤسسة على توقع الاضطرابات واستيعابها والتعافي منها.
ويجب التمييز بين ثلاثة أنواع من الاستجابة:
- تصحيح إخفاق داخلي في الأداء.
- منع التعرض المستقبلي لحدث خارجي أو الحد من تأثيره.
- متابعة حدث استثنائي من غير المحتمل أن يتكرر.
فهذه استجابات إدارية مختلفة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مترادفة.
- بيانات غير صحيحة أو ناقصة أو غير موثوقة
قد تكون فجوة الأداء المعلنة ناتجة كليًا أو جزئيًا عن خلل في البيانات. ومن أمثلة مشكلات البيانات:
- الإدخال غير الصحيح للبيانات.
- نقص بعض السجلات.
- تكرار المعاملات.
- عدم اتساق التصنيفات.
- استخدام تواريخ قطع غير مناسبة.
- التأخر في تحديث الأنظمة.
- الاستخراج غير الصحيح من الأنظمة المصدرية.
- عدم تطبيق المعادلة المعتمدة للمؤشر.
- تغيير مصدر البيانات أو طريقة جمعها.
- ضعف ضوابط المراجعة والاعتماد.
وعندما تكون النتيجة المعلنة غير موثوقة، يجب أن تبدأ الاستجابة بمعالجة مشكلة القياس.
وقد تحتاج الإدارة إلى:
- فحص البيانات والتحقق منها.
- مطابقة النتيجة مع السجلات المصدرية.
- تصحيح السجلات غير الدقيقة أو المكررة.
- استكمال المعلومات الناقصة.
- توضيح تعريفات البيانات ومسؤولياتها.
- تعزيز ضوابط الجمع والمراجعة.
- إعادة احتساب مؤشر الأداء.
- إعادة إصدار النتائج السابقة عند الضرورة.
- توثيق طبيعة التصحيح وأثره.
ويميز مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي بين فحص البيانات Verification الذي يتناول اكتمال البيانات ودقتها واتساقها، والتحقق من صلاحية البيانات Validation الذي يتناول مدى ملاءمة البيانات لقياس الأداء المقصود. ولا يمكن إجراء مقارنة موثوقة بين الأداء الفعلي والمستهدف إلا إذا كانت البيانات الأساسية مكتملة وذات مصداقية كافية.
ومن غير المناسب إعادة تصميم العمليات، أو مساءلة الموظفين، أو تخصيص موارد كبيرة استجابة لفجوة لم تنشأ إلا بسبب بيانات خاطئة.
ومع ذلك، فإن تصحيح النتيجة المعلنة لا يعني بالضرورة إغلاق الموضوع. فقد يكون فشل جودة البيانات مشكلة رقابية مهمة في حد ذاته. وقد تختفي فجوة الأداء بعد إعادة الاحتساب، بينما تظل هناك مشكلة مستقلة في نظام القياس تستوجب المعالجة.
وينبغي أن تميز الإدارة بين:
- فجوة أداء حقيقية.
- خطأ في التقارير أوجد فجوة غير حقيقية.
- وجود مشكلة فعلية في الأداء بالتزامن مع مشكلة في القياس.
ويجب معالجة كل مشكلة بصورة مستقلة.
- تعريف غير مناسب لمؤشر الأداء
قد تكون البيانات صحيحة، بينما يكون تصميم مؤشر الأداء نفسه غير مناسب.
وقد يفشل المؤشر في تمثيل بُعد الأداء المقصود بسبب وجود قصور في:
- التعريف.
- المعادلة.
- وحدة القياس.
- النطاق.
- دورية القياس.
- قواعد الإدراج والاستبعاد.
- مصدر البيانات.
- مستوى التجميع.
- معالجة الحالات الاستثنائية.
- العلاقة بالهدف الاستراتيجي.
- مقاومة المؤشر للتلاعب والسلوكيات غير المقصودة.
فعلى سبيل المثال، قد يشجع قياس عدد طلبات العملاء التي تم إغلاقها على سرعة الإغلاق، دون التحقق من حل المشكلة فعليًا. وقد يخفي متوسط زمن المعالجة تأخيرات حادة تؤثر في مجموعة صغيرة لكنها مهمة من الحالات. وقد يقدم إجمالي المبيعات صورة غير مكتملة للأداء التجاري إذا لم يؤخذ في الاعتبار مستوى الربحية أو المرتجعات.
ولا ينبغي أن يقتصر دور مؤشر الأداء على إنتاج رقم، بل يجب أن يقدم معلومات صحيحة ومفهومة وقابلة للاستخدام عن بُعد الأداء الذي صُمم لقياسه.
وتؤكد إرشادات بالدريج ضرورة اختيار المؤشرات التي تعكس ما تقدره المؤسسة وتوفر معلومات قابلة للاستخدام في اتخاذ القرارات.
وعندما يكون تعريف المؤشر غير مناسب، ينبغي للمؤسسة مراجعة تصميمه قبل تغيير العملية التشغيلية.
وقد تؤدي المراجعة إلى:
- توضيح تعريف المؤشر.
- تصحيح المعادلة.
- تعديل نطاق القياس.
- إضافة الاستبعادات أو التقسيمات الضرورية.
- تغيير دورية القياس.
- استبدال مصدر بيانات غير مناسب.
- إضافة مؤشرات مكملة أو مؤشرات موازنة Balancing Measures.
- استبدال المؤشر بمقياس أكثر صلاحية.
ولا يعني تعديل مؤشر الأداء تغييره لمجرد الحصول على نتيجة أكثر ملاءمة، بل يهدف إلى ضمان قياس الأداء المقصود بدقة واتساق وفائدة.
ويجب أن يخضع أي تغيير للحوكمة والتوثيق الرسميين. وإذا أدى التعريف الجديد إلى تغيير جوهري في معنى المؤشر، فينبغي النظر في إعادة احتساب النتائج التاريخية. وإذا تعذر ذلك، يجب الإفصاح عن انقطاع قابلية المقارنة بدلًا من تقديم النتائج القديمة والجديدة باعتبارها اتجاهًا متصلًا.
- مستهدف غير واقعي أو متقادم
قد يكون مؤشر الأداء مصممًا بطريقة سليمة، وقد تكون النتيجة الفعلية صحيحة، بينما تكمن المشكلة في المستهدف نفسه.
وقد يصبح المستهدف غير مناسب عندما:
- يوضع دون الاعتماد على خط أساس موثوق.
- يستند إلى افتراضات غير صحيحة.
- يتجاهل القيود المتعلقة بالموارد أو الطاقة الاستيعابية.
- يُنقل من مؤسسة تعمل في ظروف مختلفة.
- يُحدد من خلال التفاوض بدلًا من التحليل.
- يحدث تغير جوهري في الاستراتيجية أو الأنظمة أو التقنية أو الطلب أو نطاق العمل.
- يتغير تعريف المؤشر بعد اعتماد المستهدف.
- يقلل من تقدير الزمن اللازم لتحقيق النتيجة.
- لا يعود متوافقًا مع الأولويات الاستراتيجية للمؤسسة.
وعدم بلوغ مستهدف جرى تحديده بطريقة ضعيفة لا يثبت تلقائيًا وجود إخفاق في التنفيذ. وعندما تثبت الأدلة الموثوقة أن المستهدف لم يكن صالحًا منذ وضعه، أو أنه أصبح غير مناسب بعد تغير جوهري في الظروف، يجوز للإدارة اللجوء إلى إعادة النظر في المستهدف Target Reconsideration.
ويجب أن يكون أي تعديل للمستهدف:
- مدعومًا بأدلة موثوقة.
- مبنيًا على خط أساس Baseline صالح وافتراضات واضحة.
- خاضعًا للمراجعة والاعتماد الرسميين.
- موثقًا بشفافية.
- متسقًا مع المتطلبات الاستراتيجية ومتطلبات أصحاب المصلحة.
- منعكسًا في التوقعات والخطط وترتيبات المساءلة.
- خاليًا من أي محاولة لإخفاء ضعف الأداء.
ويجب ألا يؤدي تعديل المستهدف إلى محو التاريخ أو إعادة صياغته. بل ينبغي أن تحتفظ التقارير بالمستهدف الأصلي، وتوضح أسباب تعديله، وتحدد الجهة التي اعتمدت التغيير، وتبين تاريخ بدء تطبيق المستهدف الجديد.
وتمثل إعادة النظر في المستهدف قرارًا إداريًا مشروعًا عندما تحسن صلاحية نظام الأداء. لكنها تصبح ممارسة مختلة عندما تخفض المستهدفات لمجرد أن المؤسسة لم تتمكن من تحقيقها.
ويكمن التمييز الأساسي بين:
- تعديل المستهدف لأن الأدلة تثبت أنه لم يعد صالحًا.
- التلاعب بالمستهدف لإظهار الأداء الضعيف في صورة مقبولة.
فالممارسة الأولى تعزز إدارة الأداء، بينما تقوض الثانية المساءلة.
- تأخر ظهور أثر الأداء
تحتاج بعض التدخلات إلى وقت قبل أن يظهر أثرها في مؤشر النتائج.
ومن أمثلة ذلك:
- قد يحتاج التدريب إلى وقت قبل أن يؤثر في إنتاجية الموظفين.
- قد تحتاج الحملات التسويقية إلى وقت لتوليد العملاء المحتملين والإيرادات.
- قد تحتاج الصيانة الوقائية إلى وقت لتقليل أعطال المعدات.
- قد تحتاج برامج تطوير القيادات إلى وقت للتأثير في ارتباط الموظفين.
- قد تتطلب إعادة تصميم العمليات فترة للاستقرار.
- قد يؤدي التحول الرقمي في بدايته إلى اضطراب الإنتاجية قبل أن يحقق فوائده.
- قد يحتاج التوظيف الجديد إلى وقت للتأثير في الطاقة الاستيعابية وجودة الخدمة.
ولهذا، قد يظل مؤشر النتائج Outcome Indicator دون المستهدف، رغم أن التدخل ينفذ بطريقة صحيحة وأن الأدلة المبكرة تشير إلى تقدم إيجابي. ولا يعني ذلك أن تنتظر الإدارة إلى أجل غير محدد، أو تفترض أن التحسن سيحدث تلقائيًا. بل ينبغي تحديد التسلسل السببي المتوقع والفترة الزمنية اللازمة لظهور الأثر.
ويتعين على الإدارة التمييز بين ثلاثة مستويات من القياس:
- مؤشرات التنفيذ Implementation Indicators
توضح ما إذا كان التدخل ينفذ وفقًا للخطة. ومن أمثلتها اكتمال تركيب النظام، ونسبة الموظفين الذين تلقوا التدريب، والتقدم في التوظيف، واستكمال الإجراءات المعاد تصميمها، وتطبيق مسار العمل الجديد.
- المؤشرات القائدة Leading Indicators
تقدم أدلة مبكرة على أن التدخل بدأ يؤثر في محركات الأداء المستقبلية. ومن أمثلتها ارتفاع استخدام النظام الجديد، وتحسن نتائج تقييم كفاءات الموظفين، وزيادة العملاء المحتملين المؤهلين، وارتفاع الالتزام بجداول الصيانة الوقائية، وانخفاض زمن الانتظار داخل العملية.
- مؤشرات النتائج Outcome Indicators
تقيس النتيجة النهائية التي يستهدف التدخل تحسينها، مثل الإيرادات، والإنتاجية، وارتباط الموظفين، وجاهزية المعدات، ورضا العملاء، والربحية.
وتوصي إرشادات قياس الأداء الصادرة عن المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية باستخدام كل من المؤشرات القائدة والمؤشرات اللاحقة Leading and Lagging Indicators، وقياس أداء العمليات أثناء التنفيذ ومخرجاتها ونتائجها النهائية.
كما يوصي معهد تحسين الرعاية الصحية باستخدام مجموعة متكاملة من مؤشرات النتائج، ومؤشرات العمليات، ومؤشرات الموازنة لفهم مدى تنفيذ التغيير، وما إذا كان يحقق التحسن المطلوب دون أن يخلق مشكلات في أجزاء أخرى من النظام. وعندما تتقدم مؤشرات التنفيذ والمؤشرات القائدة على النحو المتوقع، فقد يكون استمرار المتابعة أكثر ملاءمة من إطلاق إجراء تصحيحي جديد استجابة لمؤشر النتائج. أما إذا كان التنفيذ متأخرًا أو لم تظهر مؤشرات مبكرة على التحسن، فقد تحتاج الإدارة إلى تعديل التدخل القائم أو استبداله. ومن ثم، ينبغي أن يستند منح التدخل وقتًا إضافيًا إلى فرضية نتائج Results Hypothesis واضحة، لا إلى الانتظار السلبي أو الأمل غير المدعوم بالأدلة.
مواءمة الاستجابة مع الدلالة الحقيقية للفجوة
يلخص الجدول الآتي الحالات المختلفة التي قد تكمن وراء فجوة الأداء، والاستجابة الإدارية الأكثر ملاءمة لكل منها:
| ما تمثله فجوة الأداء | الاستجابة الإدارية الأساسية |
| إخفاق معروف في التنفيذ ويقع ضمن سيطرة المؤسسة | إجراء تصحيحي Corrective Action |
| فجوة جوهرية لا تزال أسبابها غير مؤكدة | مزيد من التحقيق Further Investigation |
| تذبذب محدود يقع ضمن السلوك الطبيعي للعملية | استمرار المتابعة Continued Monitoring |
| عملية مستقرة لكنها تحقق أداءً يقل باستمرار عن المستوى المطلوب | تحسين العملية أو إعادة تصميمها |
| حدث خارجي مؤقت من غير المحتمل تكراره | المتابعة واستعادة الوضع الطبيعي |
| خطر خارجي متوقع أو قابل للتكرار | إجراء وقائي وتخطيط للطوارئ |
| بيانات غير صحيحة أو ناقصة أو غير موثوقة | فحص البيانات وتصحيحها وإعادة احتساب المؤشر |
| تعريف غير مناسب لمؤشر الأداء | مراجعة المؤشر وإعادة تصميمه |
| مستهدف غير واقعي أو متقادم | إعادة النظر الرسمية في المستهدف |
| تأخر ظهور أثر النتائج مع وجود أدلة مبكرة إيجابية | متابعة التنفيذ والمؤشرات القائدة |
| تأخر النتائج مع ضعف التنفيذ أو سلبية الأدلة المبكرة | تعديل التدخل أو استبداله |
ولا يلغي هذا التصنيف الحاجة إلى الحكم الإداري، لكنه يحسن هذا الحكم من خلال ضمان توافق الاستجابة مع ما تكشفه الأدلة عن طبيعة الفجوة.
منهج هيكلي لاتخاذ القرار
قبل اعتماد أي إجراء تصحيحي، ينبغي للإدارة الإجابة عن ستة أسئلة:
- هل النتيجة المعلنة موثوقة؟ يجب التحقق من البيانات والمعادلة والنطاق والتوقيت والمصدر قبل تفسير الفجوة.
- هل تمثل النتيجة إشارة ذات دلالة؟ ينبغي دراسة حجم الانحراف، واستمراره، ونمطه التاريخي، ومستوى السماح، وسلوكه الإحصائي.
- هل توجد مشكلة أداء حقيقية؟ يجب تحديد ما إذا كان هناك إخفاق في التنفيذ، أو القدرات، أو الطاقة الاستيعابية، أو التنسيق، أو الضوابط، أو القرارات.
- هل يقيس المؤشر بُعد الأداء المقصود؟ ينبغي مراجعة تعريف المؤشر، ومعادلته، ونطاقه، واستبعاده، ودورية قياسه، وعلاقته بالاستراتيجية.
- هل ما زال المستهدف صالحًا؟ يجب فحص خط الأساس، والافتراضات، والمتطلبات الاستراتيجية، والظروف التشغيلية، والتغيرات في البيئة الخارجية.
- ما الاستجابة التي تتناسب مع الأدلة؟ تختار الإدارة، بحسب الحالة، استمرار المتابعة، أو مزيدًا من التحقيق، أو إجراءً تصحيحيًا، أو إجراءً وقائيًا، أو تحسين العملية، أو تعديل التدخل، أو إعادة تخصيص الموارد، أو التصعيد، أو إعادة النظر في المستهدف، أو إعادة تصميم المؤشر.
ويمنع هذا التسلسل المؤسسة من التعامل مع جميع النتائج غير المواتية كما لو كانت تمثل نوعًا واحدًا من المشكلات.
الاكتفاء بالمتابعة المتعمدة ليست تقاعسًا عن العمل
يخشى بعض المديرين أن يبدو قرار متابعة الفجوة دون إطلاق تدخل فوري نوعًا من السلبية. وقد يدفعهم هذا الخوف إلى إعداد خطط عمل غير ضرورية، وإلى ترسيخ الاعتقاد بأن كل نتيجة غير مواتية يجب أن تقابلها مبادرة جديدة.
غير أن استمرار المتابعة، عندما يستند إلى الأدلة وإلى شروط واضحة للمراجعة، يمثل قرارًا إداريًا مشروعًا.
وينبغي أن يحدد قرار المتابعة:
- سبب عدم تبرير الإجراء التصحيحي الفوري.
- الأدلة التي سيستمر جمعها.
- المؤشرات التي ستتم متابعتها.
- المسؤول عن المتابعة.
- موعد المراجعة التالية.
- الحد أو النمط الذي سيؤدي إلى بدء التحقيق أو التدخل.
- آلية تصعيد الموضوع إذا تدهورت الظروف.
وتتحول المتابعة إلى سلوك سلبي فقط عندما لا يكون لها مسؤول واضح، أو لا يحدد لها موعد للمراجعة، أو لا توضع معايير لاتخاذ إجراء مستقبلي.
الخاتمة
تستحق النتيجة غير المواتية لمؤشر الأداء اهتمام الإدارة، لكن الاهتمام لا يعني بالضرورة اتخاذ إجراء تصحيحي فوري.
فقد تمثل فجوة الأداء إخفاقًا حقيقيًا في التنفيذ، أو تباينًا طبيعيًا، أو حدثًا خارجيًا مؤقتًا، أو بيانات غير موثوقة، أو مؤشرًا ضعيف التصميم، أو مستهدفًا غير صالح، أو تأخرًا في ظهور أثر تدخل قائم. ولكل حالة استجابة إدارية مختلفة.
ولهذا، لا ينبغي تقييم جودة إدارة الأداء من خلال سرعة المؤسسة في إعداد خطة عمل، بل من خلال دقتها في تفسير الأدلة وقدرتها على مواءمة الاستجابة مع الطبيعة الحقيقية للفجوة.
ولا ينبغي أن يكون السؤال الأول دائمًا: ما الإجراء التصحيحي الذي سنتخذه؟
بل ينبغي أن يكون: ما الدلالة الحقيقية لهذه الفجوة، وما الاستجابة التي تبررها الأدلة؟
وعندما تطرح المؤسسات هذا السؤال بصورة منهجية، فإنها تتجنب التدخلات غير الضرورية، وتحمي مصداقية نظم القياس، وتخصص مواردها بصورة أكثر كفاءة، وتحول إدارة الأداء إلى عملية منضبطة لاتخاذ القرارات القائمة على الأدلة.






