تحديد مالك المؤشر عند تعدد الجهات المساهمة في تحقيقه

Dr. Mohamed M Mahmoud

تحديد مالك المؤشر عند تعدد الجهات المساهمة في تحقيقه

في كثير من الأهداف الاستراتيجية، لا يتحقق الأداء المستهدف من خلال إدارة واحدة فقط، بل يكون نتيجة مساهمة مشتركة من عدة وحدات تنظيمية. وهنا يبرز سؤال مهم في تصميم مؤشرات الأداء:

من الذي ينبغي أن يُعيَّن مالكًا للمؤشر عندما تتعدد الجهات المساهمة في تحقيقه؟

هذا السؤال ليس تنظيميًا فقط، بل هو سؤال جوهري في جودة نظام إدارة الأداء. فإذا أُسنِد المؤشر إلى أكثر من جهة على نحو متساوٍ، ضعفت المساءلة، وازدادت احتمالات تشتت المسؤولية، وأصبح من السهل على كل طرف أن يُنسب أسباب القصور إلى الأطراف الأخرى. أما إذا أُحسن تحديد المالك الرئيسي للمؤشر، مع بيان أدوار الجهات الأخرى، أصبح النظام أكثر وضوحًا وعدالة وفاعلي

والقاعدة الأساسية هنا هي: قد يسهم في تحقيق المؤشر أكثر من طرف، لكن يجب أن يكون له مالك رئيسي واحد فقط

أولًا: التمييز بين مالك المؤشر والجهات المساهمة فيه

من الأخطاء الشائعة في تصميم مؤشرات الأداء الخلط بين مفهومين مختلفين: مالك المؤشر Primary KPI Owner والجهات المساهمة في تحقيق المؤشر Contributing Units.

  •  مالك المؤشر هو الجهة أو الشخص الذي يتحمل المسؤولية النهائية عن تحقيق القيمة المستهدفة للمؤشر، ويُسأل عنها أمام الإدارة العليا، ويُتوقع منه تفسير نتائج الأداء، واقتراح الإجراءات التصحيحية، ومتابعة معالجة المعوقات
  • الجهات المساهمة فهي الإدارات أو الوحدات التي تؤثر أعمالها وقراراتها ومخرجاتها في نتيجة المؤشر، لكنها ليست بالضرورة الجهة التي تُسأل نهائيًا عن النتيجة الكلية

وهذا التمييز بالغ الأهمية، لأنه يسمح ببناء نظام أداء يجمع بين وضوح المساءلة والاعتراف بالطبيعة التشاركية لبعض النتائج الاستراتيجية

ثانيًا: كيف نختار المالك الرئيسي للمؤشر؟

عند تعدد الجهات التي تؤثر في مؤشر واحد، لا ينبغي اختيار المالك بناءً على مجرد المشاركة في العمليات، بل يجب اختيار الجهة الأقرب إلى تحقيق النتيجة النهائية التي يقيسها المؤشر، والأكثر منطقية من حيث المساءلة عنها أمام القيادة.

وبعبارة أدق، ينبغي أن يكون مالك المؤشر هو الجهة التي:

  • تتحمل المسؤولية الإدارية الأقرب إلى النتيجة النهائية المقاسة
  • يُتوقع منها أن تُجيب أمام الإدارة العليا عن مستوى الأداء
  • تملك الصلاحية، أو على الأقل التفويض، لتنسيق جهود الجهات المساهمة
  • تستطيع رفع المعوقات، وتحريك المعالجات، ومتابعة الإجراءات التصحيحية
  • ترتبط بطبيعة المؤشر من حيث معناه الاقتصادي أو الاستراتيجي ارتباطًا مباشرًا

إذن، فإن ملكية المؤشر تُبنى على المساءلة النهائية عن النتيجة، لا على مجرد المشاركة في جزء من العمل

ثالثًا: مثال تطبيقي – زيادة الإيراد من العقارات المملوكة لجمعية خيرية

لنفترض أن جمعية خيرية لديها الهدف الاستراتيجي التالي: ” زيادة الإيراد من العقارات المملوكة للجمعية”.

وهذا الهدف تشارك في تحقيقه عدة إدارات، مثل:

  • إدارة المشاريع التي تنشئ مباني أو وحدات جديدة قابلة للتأجير
  • الإدارة التجارية التي تتولى التسويق والتأجير والتفاوض على عقود الايجار
  • إدارة الصيانة التي تحافظ على جاهزية العقار ورضا المستأجرين
  • إدارة التحصيل التي تتولى جمع الإيجارات ومتابعة المتأخرات

في هذه الحالة، ورغم تعدد الجهات المؤثرة، يجب أن يكون للمؤشر مالك رئيسي واحد. والجهة الأنسب لامتلاك هذا المؤشر تكون غالبًا:

  • إدارة الأصول العقارية أو إدارة الأوقاف إذا كانت موجودة كجهة متكاملة مسؤولة عن العائد من الأصول
  • أو الإدارة التجارية إذا كانت هي الأقرب فعليًا إلى تعظيم الإيراد الناتج عن التأجير والاستثمار التشغيلي للعقار

أما بقية الإدارات، فتُعامل على أنها جهات مساهمة في تحقيق المؤشر، لا مالكون مشاركون له على قدم المساواة

رابعًا: لماذا لا يُفضّل إسناد المؤشر إلى عدة مالكين؟

من الناحية النظرية قد يبدو إسناد المؤشر إلى عدة جهات تعبيرًا عن روح العمل الجماعي، لكن من الناحية العملية يؤدي ذلك غالبًا إلى إضعاف المحاسبة. فعندما ينخفض الأداء عن المستهدف، يبدأ كل طرف في تفسير القصور من زاوية دوره الجزئي، دون أن تكون هناك جهة واضحة تتحمل المسؤولية النهائية عن النتيجة الكلية

أما وجود مالك رئيسي واحد للمؤشر، فإنه يحقق عدة مزايا مهمة:

  • وضوح المساءلة
  • سرعة المتابعة
  • وضوح خطوط التصعيد  Escalation line
  • قوة أكبر في تحليل الانحرافات
  • فاعلية أعلى في اتخاذ الإجراءات التصحيحية

ولذلك، فإن الأفضل في المؤشرات المشتركة هو عدم توزيع الملكية، بل توحيد المساءلة مع الإقرار بتعدد المساهمين

خامسًا: كيف نعالج مساهمة الإدارات الأخرى بعد تحديد المالك الرئيسي؟

الحل المهني لا يتمثل في جعل جميع الإدارات مالكة للمؤشر نفسه، بل في تفكيك المؤشر الاستراتيجي العام إلى مؤشرات تشغيلية   Operational KPIs فرعية تعبّر عن دور كل إدارة في تحقيق النتيجة النهائية. وهذا يعد من أفضل الممارسات في بناء أنظمة الأداء Performance Architecture . فبدلًا من أن نحاسب جميع الإدارات مباشرة على المؤشر الاستراتيجي الكلي، نُبقي هذا المؤشر على مستواه الأعلى، ثم نحدد لكل إدارة مؤشرًا أو أكثر يعبّر عن إسهامها الخاص والقابل للتحكم في تحقيق ذلك المؤشر.

وبذلك يصبح لدينا مستويان مترابطان:

  • مؤشر استراتيجي أعلى يقيس النتيجة النهائية
  • مؤشرات تشغيلية أدنى تقيس مساهمة كل إدارة في تحقيق تلك النتيجة

سادسًا: المبدأ الأساسي في التجزئة

يمكن التعبير عن هذا المبدأ على النحو الآتي: “يقيس المؤشر الأعلى النتيجة الاستراتيجية النهائية، بينما تقيس المؤشرات التشغيلية لكل إدارة مساهمتها المحددة والقابلة للتحكم في الوصول إلى تلك النتيجة.” وهذا أفضل بكثير من تحميل جميع الإدارات المسؤولية المباشرة عن المؤشر ذاته، لأنه يحقق:

  • عدالة أكبر في التقييم
  • وضوحًا أكبر في المسؤوليات
  • قدرة أعلى على تشخيص أسباب القصور
  • ترابطًا منطقيًا بين الاستراتيجية والتشغيل

سابعًا: مثال على تفكيك مؤشر إيراد العقارات إلى مؤشرات تشغيلية

  • المؤشر الاستراتيجي الأعلى: “إجمالي الإيراد من العقارات المملوكة”. هذا هو المؤشر الكلي الذي يقيس النتيجة النهائية المستهدفة على المستوى الاستراتيجي.
  •  المؤشرات التشغيلية للإدارات المساهمة:

1. إدارة المشاريع

بدلًا من استخدام مؤشر بسيط مثل “عدد الوحدات التي تم إنشاؤها”، يكون الأفضل استخدام مؤشر يعكس القيمة الاقتصادية لما أُضيف إلى المحفظة العقارية، مثل: “القيمة الإيجارية للوحدات الجديدة المنجزة” أو بصياغة أدق” القيمة الإيجارية السنوية المقدرة للوحدات القابلة للتأجير التي تم استكمالها”. وهذا المؤشر أفضل من مجرد عدد الوحدات، لأنه لا يركز على المخرج الكمي فقط، بل يربط الإنجاز بالمردود الإيجاري المتوقع.

2. إدارة الصيانة

من المؤشرات المناسبة لهذه الإدارة: “نسبة رضا المستأجرين عن خدمات الصيانة”.  وهذا مؤشر مهم لأنه يعكس أثر الصيانة على تجربة المستأجر، واستقرار الإشغال، وجاذبية العقار، والمحافظة على القيمة التشغيلية للأصل. ويمكن، إذا لزم الأمر، دعمه بمؤشر تشغيلي إضافي، مثل:

  • نسبة طلبات الصيانة المنجزة ضمن الزمن المعياري
  • متوسط زمن الاستجابة لبلاغات الصيانة الحرجة

3. الإدارة التجارية

من المناسب لهذه الإدارة استخدام مؤشرين متكاملين:

  • نسبة الإشغال
  • الإيراد التعاقدي

واستخدام المؤشرين معًا مهم جدًا، لأن نسبة الإشغال وحدها قد تدفع إلى التأجير بأسعار منخفضة فقط لرفع الإشغال، في حين أن الإيراد التعاقدي وحده قد لا يكشف مشكلة الشواغر. أما الجمع بينهما فيعطي صورة أكثر توازنًا عن:

  • كفاءة استغلال المساحات
  • جودة التسعير والتفاوض والتأجير

4. إدارة التحصيل

من المؤشرات المناسبة لها: “نسبة الإيجارات غير المحصلة“. وهو مؤشر يعكس فجوة التحصيل بشكل مباشر. ويمكن كذلك صياغته بصيغة إيجابية إذا كانت المؤسسة تفضل ذلك، مثل:

  • نسبة تحصيل الإيجارات المستحقة
  • نسبة الإيجارات المحصلة في موعدها

ثامنًا: لماذا تعد هذه البنية قوية وفعالة؟

تكمن قوة هذا النهج في أنه يعكس المنطق الحقيقي لسلسلة القيمة المؤدية إلى النتيجة النهائية:

  • إدارة المشاريع تضيف أصولًا أو مساحات قابلة للتأجير
  • الإدارة التجارية تحول القدرة التأجيرية إلى عقود وإيرادات
  • إدارة الصيانة تحافظ على رضا المستأجرين وجاذبية الأصول
  • إدارة التحصيل تحول الإيراد التعاقدي إلى تدفقات نقدية فعلية

وبذلك تسهم هذه المؤشرات التشغيلية مجتمعة في دعم المؤشر الاستراتيجي الأعلى: “زيادة إجمالي الإيراد من العقارات المملوكة للجمعية”

وهذه البنية تحقق عدة مزايا رئيسية:

  • مواءمة واضحة بين الاستراتيجية والتشغيل
  • توزيع عادل للمساءلة
  • سهولة أكبر في تحليل أسباب الانحراف
  • قدرة أعلى على تحديد المسؤولية الفعلية لكل إدارة
  • فاعلية أكبر في إدارة الأداء واتخاذ القرار

تاسعًا: المنهج العملي المقترح للتعامل مع المؤشرات متعددة المساهمين

يمكن بناء منهج مهني واضح للتعامل مع هذه الحالات من خلال الخطوات الآتية:

1.تحديد المؤشر الاستراتيجي الأعلى: اختر مؤشرًا واحدًا يعبّر بوضوح عن النتيجة النهائية للهدف الاستراتيجي. مثال: “إجمالي الإيراد السنوي من العقارات المملوكة”

2.تعيين مالك رئيسي واحد: اختر الجهة الأكثر ارتباطًا بالنتيجة النهائية، والأقرب إلى المساءلة عنها أمام القيادة.

3. تحديد الجهات المساهمة: احصر الإدارات أو الوحدات التي تؤثر بصورة جوهرية في تحقيق المؤشر.

4.صياغة مؤشرات تشغيلية لكل جهة مساهمة: لكل إدارة مؤشر أو أكثر يعكس دورها المحدد والقابل للتحكم في تحقيق النتيجة النهائية.

5.التأكد من وجود ترابط منطقي: يجب أن تكون المؤشرات التشغيلية مرتبطة منطقيًا بالمؤشر الأعلى، بحيث تفسر مجتمعة كيفية تحقيقه.

6. تجنب ازدواجية الملكية وغموض المساءلة: لا تُحمِّل جميع الإدارات ملكية المؤشر الأعلى نفسها، بل: عيّن مالكًا رئيسيًا واحدًا، وحدد الجهات المساهمة ،ووزّع المؤشرات التشغيلية على هذه الجهات


 تحميل pdf المقالة : https://drive.google.com/file/d/13BU-WWcZfwcI2FpJla1K4ldV4zvvevhI/view?usp=drive_link

شارك المقالة من خلال :
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
شارك التدوينة: